ابن قيم الجوزية

597

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

لهم على دينهم ، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب ، وكلا القولين غلط محض ، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص ، بل هي محكمة ، وعمومها نص محفوظ ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها ، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه ، وهذه السورة أخلصت التوحيد ، ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم . ومنشأ الغلط : ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ، ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف ، فقالوا : هو منسوخ . وقالت طائفة : زال عن بعض الكفار ، وهم من لا كتاب لهم . فقالوا : هذا مخصوص بأهل الكتاب . ومعاذ اللّه أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا ، فلم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم ، وعيب دينهم ، وتقبيحه والنهي عنه ، والتهديد والوعيد لهم كل وقت ، وفي كل ناد ، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم . وعيب دينهم ، ويتركونه وشأنه ، فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم ، فكيف يقال : إن الآية اقتضت تقريره لهم ؟ معاذ اللّه من هذا الزعم الباطل ، إنما الآية اقتضت براءته المحضة كما تقدم ، وأن ما أنتم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا ، فإنه دين باطل ، فهو مختص بكم ، لا نشارككم فيه ، ولا أنتم تشاركوننا في ديننا الحق . وهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم ، فأين الإقرار ؟ حتى يدعو النسخ أو التخصيص ؟ . أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يطهر اللّه منهم عباده وبلاده . وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل سنته وبين أهل